ابن حزم

113

المحلى

فكيف وقد خالفوا هذا الخبر نفسه وهدموا به أكثر أصولهم ؟ ! لأنهم يقولون : لا يقبل خبر الآحاد الثقات ( 1 ) التي لم يجمع عليها فيما ( 2 ) إذا كثرت به البلوى ، وهذا أمر تكثر به البلوى ، ولا يعرفه أهل المدينة وغيرهم ! فقبلوا فيه خبرا لا خير فيه . وهم قد ردوا بأقل من هذا خبر الوضوء من مس الذكر ، ويقولون : لا يقبل خبر الآحاد الثقات إذا كان زائدا على ما في القرآن أو مخالفا له ، وردوا بهذا حديث اليمين مع الشاهد ، وكذبوا ما هو مخالف لما في القرآن . ولا خلاف للقرآن أكثر من قول الله تعالى : ( حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ) فقالوا هم : إلا بنى تغلب فلا يؤدون الجزية ولا صغار عليهم ، بل يؤدون الصدقة مضاعفة ، فحالفوا القرآن ، والسنن المنقولة نقل الكافة ( 3 ) بخبر لا خير فيه ! . وقالوا : لا يقبل خبر الآحاد الثقات إذا خالف الأصول ، وردوا بذلك خبر القرعة في الاعبد الستة ، وخبر المصراة ، وكذبوا ، ماهما مخالفين للأصول ! بل هما أصلان من كبار الأصول . وخالفوا ههنا جميع الأصول في الصدقات ، وفى الجزية بخبر لا يساوي بعرة ! . وتعللوا بالاضطراب في أخبار الثقات ، وردوا بذلك خبر ( لا تحرم الرضعة ولا الرضعتان ) وخبر ( لا قطع إلا في ربع دينار فصاعدا ) وأخذوا ههنا بأسقط خبر وأشده اضطرابا ، لأنه يقول راويه مرة : عن السفاح بن مطرف ، ومرة : عن السفاح ابن المثنى ، ومرة : عن داود بن كردوس أنه صالح عمر بنى تغب ، ومرة : عن داود ابن كردوس عن عبادة بن النعمان أو زرعة بن النعمان أو النعمان بن زرعة أنه صالح عمر . ومع شدة هذا الاضطراب المفرط فان جميع هؤلاء لا يدرى أحد من هم من خلق الله تعالى ؟ . وكم من قضية ( 4 ) خالفوا فيها عمر ، ككلامه مع عثمان في الخطبة ، نفيه في الزنا ، وإغرامه في السرقة بعد القطع ، وغير ذلك .

--> ( 1 ) ، ولذلك قال الجصاص في أحكام القرآن ( ج 3 ص 94 ) بعد ذكر رواية داود بن كردوس : ( هذا خبر مستفيض عند أهل الكوفة ) ، قد وردت به الرواية والنقل الشائع عملا وعقد بابا خاصا لهم يراجع هناك ، وكذلك أبو يوسف في الخراج ( ص 143 ) وكذلك البلاذري في فتوح البلدان ( ص 189 ) طبع مصر سنة 1319 ( 1 ) كلمة ( الثقات ) زيادة من النسخة رقم ( 14 ) ( 2 ) كلمة ( فيما ) زيادة من النسخة رقم ( 16 ) ( 3 ) من قوله ( ولا صغار عليهم بل يؤدون ) إلى هنا سقط خطأ من النسخة رقم ( 16 ) ( 4 ) في النسخة رقم ( 16 ) ( قصة )